بيان صادر عن مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان

إدراج دولة الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي على القائمة السوداء للأمم المتحدة بسبب العنف الجنسي في النزاعات خطوة مهمة، لكنها لا تكفي دون محاسبة وعقوبات وإجراءات دولية فعلية.

تتابع مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان ما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والذي تضمن إدراج دولة الاحتلال "إسرائيل" على القائمة السوداء للدول والجهات المسؤولة عن ارتكاب انتهاكات جسيمة تتعلق بالعنف الجنسي في سياق النزاعات المسلحة. وإذ ترى المؤسسة في هذه الخطوة اعترافاً متأخراً بجزء من الجرائم والانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، فإنها تؤكد أن هذا الإجراء، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن المساءلة والمحاسبة الفعلية وفرض العقوبات الدولية الرادعة وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي تتمتع بها دولة الاحتلال منذ عقود.

لقد وثقت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، ومن بينها مؤسسة الضمير، على مدار سنوات طويلة، ومنذ بداية حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على الشعب الفلسطيني، مئات الشهادات والإفادات التي كشفت عن أنماط مروعة من الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال ومعسكرات الاعتقال ومراكز التحقيق. وشملت هذه الجرائم أشكالاً متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، والاعتداءات الجنسية، والإذلال الممنهج، والتجريد من الملابس، والتهديد بالاغتصاب، والتحرش الجنسي، والاغتصاب، واستخدام العنف الجنسي كأداة للتنكيل والقمع وكسر إرادة المعتقلين.

وكانت مؤسسة الضمير قد نشرت مؤخراً تقريراً بعنوان "الإبادة عبر الجسد"، سلط الضوء على الانتهاكات الجنسية الممنهجة التي يتعرض لها الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون داخل سجون ومراكز احتجاز الاحتلال الإسرائيلي. واستند التقرير إلى شهادات وإفادات مباشرة لمعتقلين تعرضوا لأشكال مختلفة من الاعتداءات والانتهاكات الجنسية، بما في ذلك التعري القسري، والاعتداءات ذات الطابع الجنسي، والتهديد بالعنف الجنسي، وغيرها من الممارسات التي تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وترقى في سياقها الواسع والمنهجي إلى جرائم تستوجب المساءلة والمحاسبة الدولية.

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، صعّدت سلطات الاحتلال بشكل غير مسبوق من سياساتها الانتقامية بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث تحولت السجون إلى مساحات للعقاب الجماعي والتعذيب الممنهج، في إطار حرب شاملة تستهدف الوجود الفلسطيني وكرامة الإنسان الفلسطيني. وقد شهدت السجون ومراكز الاعتقال تدهوراً كارثياً في ظروف الاحتجاز، تمثل في حرمان الأسرى من الغذاء الكافي، وتقليص كميات المياه إلى مستويات تهدد الحياة، ومنع العلاج والرعاية الطبية، وفرض العزل الجماعي والفردي، ومصادرة الاحتياجات الأساسية، ومنع الزيارات العائلية ولقاءات المحامين لفترات طويلة، إضافة إلى الاعتداءات اليومية بالضرب والتنكيل والإذلال.

وقد أدت هذه السياسات إلى تصاعد خطير في أعداد شهداء الحركة الأسيرة، حيث بلغ عدد الأسرى الذين استشهدوا في سجون ومعتقلات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967 ما مجموعه 326 أسيراً شهيداً، في مؤشر واضح على الطبيعة المنهجية للانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال بحق المعتقلين الفلسطينيين. ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وثقت المؤسسات المختصة استشهاد 89 أسيراً ومعتقلاً فلسطينياً داخل السجون والمعسكرات ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، في أعلى حصيلة موثقة خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة مقارنة بالمراحل السابقة، إضافة إلى استمرار التعتيم الإسرائيلي ورفض الكشف عن مصير العديد من المعتقلين، خاصة من أبناء قطاع غزة.

إن ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون اليوم لا يمكن وصفه إلا باعتباره جزءاً من حرب الإبادة الجماعية التي تشنها دولة الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، والتي لا تقتصر على القتل والتدمير في قطاع غزة، وإنما تمتد إلى داخل السجون ومراكز الاعتقال، حيث يتعرض آلاف الأسرى لظروف قاسية ولا إنسانية تهدف إلى إلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم وإخضاعهم بالقوة.

وتؤكد مؤسسة الضمير أن ما كشفه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف الجنسي لا يمثل سوى جزء من منظومة واسعة من الجرائم والانتهاكات التي ترتكبها دولة الاحتلال بحق الفلسطينيين. كما أن الاعتراف الدولي بهذه الانتهاكات يجب أن يترجم إلى خطوات عملية وملموسة، تشمل فتح تحقيقات دولية مستقلة وشاملة، وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، وفرض عقوبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية على دولة الاحتلال، ووقف كافة أشكال الدعم العسكري والسياسي التي تمكنها من الاستمرار في ارتكاب جرائمها.

لقد بذلت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، على مدار الأشهر الماضية، جهوداً كبيرة في توثيق الجرائم المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وأصدرت عشرات التقارير والبيانات والمذكرات القانونية، ورفعت نداءات عاجلة إلى الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة، وإلى الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، وإلى المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. كما قدمت هذه المؤسسات أدلة وشهادات تفصيلية حول الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها الأسرى، بما في ذلك جرائم التعذيب والعنف الجنسي والإخفاء القسري والقتل والإهمال الطبي المتعمد.

ورغم حجم الأدلة المتراكمة والخطورة الاستثنائية للجرائم المرتكبة، فإن الاستجابة الدولية ظلت دون مستوى المسؤولية القانونية والأخلاقية المطلوبة. فالإدانات اللفظية والتقارير الأممية، رغم أهميتها، لم تنجح في وقف الجرائم أو حماية الضحايا أو ضمان المساءلة. وقد شجع هذا العجز الدولي سلطات الاحتلال على المضي قدماً في انتهاكاتها وتصعيد جرائمها ضد الأسرى الفلسطينيين دون خشية من أي محاسبة حقيقية.

إن مؤسسة الضمير تدعو المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، والمحكمة الجنائية الدولية، إلى التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق الأسرى الفلسطينيين باعتبارها جرائم دولية تستوجب إجراءات عاجلة وفعالة. كما تطالب بإرسال لجان تحقيق دولية مستقلة إلى أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، وضمان وصول المؤسسات الدولية المختصة إلى الأسرى والمعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، والإفراج الفوري عن الأسرى الذين يتعرضون لخطر الموت نتيجة التعذيب أو الحرمان من العلاج.

وتشدد المؤسسة على أن العدالة لا تتحقق بمجرد إدراج دولة الاحتلال الإسرائيلي على القوائم الدولية أو توثيق جرائمها في التقارير الأممية، بل تتحقق عندما تتم محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وملاحقتهم قانونياً، وعندما تُفرض العقوبات اللازمة لردعهم ومنع تكرار الانتهاكات، وعندما يحصل الضحايا على حقوقهم الكاملة في العويض والإنصاف والعدالة وجبر الضرر.

إن استمرار الصمت الدولي والتقاعس عن اتخاذ خطوات عملية يساهم بشكل مباشر في إدامة معاناة الأسرى الفلسطينيين ويمنح الاحتلال غطاءً للاستمرار في جرائمه. وعليه، فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالانتقال من مرحلة الرصد والتوثيق والإدانة إلى مرحلة الفعل والمحاسبة والضغط الحقيقي لإنهاء الانتهاكات المستمرة بحق الأسرى الفلسطينيين، ووضع حد لسياسات التعذيب والعنف الجنسي والقتل والإخفاء القسري التي تمارسها دولة الاحتلال بصورة ممنهجة ومستمرة.

مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان