اعتداءات المستوطنين وحملات الاعتقال في الضفة الغربية.. تكريس للقمع والسيطرة

تشهد الضفة الغربية في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في وتيرة اعتداءات المستوطنين، تحديدًا في الأشهر التي تلت حرب الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، حيث باتت هذه الاعتداءات تشكّل أحد أبرز ملامح المشهد اليومي في العديد من القرى والبلدات الفلسطينية. وتتنوع تلك الاعتداءات بين الاعتداء الجسدي، وإحراق الممتلكات، وتخريب الأراضي الزراعية، وصولًا إلى عمليات السرقة والاعتداء المباشر على السكان، وهي ممارسات لا تقف آثارها عند حدود الخسائر المادية، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية والأمنية في تلك المناطق، في ظل سقوط شهداء ووقوع عشرات الإصابات نتيجة تصاعد عنف المستوطنين.

وفي خضم هذه الاعتداءات، تبرز حملات الاعتقال التي تعقبها كإحدى القضايا الأكثر حضورًا في المشهد الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، خصوصًا في ظل النهج الانتقائي في تطبيق القانون وغياب المساءلة الذي تمارسه سلطات الاحتلال على مدار سنوات. فالمشهد في كثير من القرى الفلسطينية يتكرر بالصورة ذاتها تقريبًا؛ اعتداء يبدأ بهجوم ينفذه مستوطنون على منازل أو أراضٍ أو مركبات فلسطينية، يعقبه تدخل عسكري من قبل الجيش الإسرائيلي ينتهي غالبًا باعتقال وملاحقة الفلسطينيين أنفسهم واحتجازهم تحت ذرائع أمنية مختلفة، دون مسائلة المعدتين من المستوطنين.

وتتجسد ممارسات المستوطنين في أغلب مناطق الضفة الغربية من خلال آلية متكررة تبدأ باعتداءات تنفذها مجموعات استيطانية ضد المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم، وغالبًا ما تتم هذه الهجمات بوجود عسكري للجيش يوفر غطاءً للمعتدين أو يتدخل لاحقًا لصالحهم. ومع تصاعد الأحداث ومحاولة الأهالي حماية أنفسهم أو ممتلكاتهم، تتدخل قوات الاحتلال عبر تنفيذ حملات اعتقال مباشرة تطال الفلسطينيين حصراً، بما يشمل من تعرضوا للاعتداء أو من تواجدوا للدفاع عن أراضيهم، وهو نمط يتكرر بصورة متواصلة في مختلف المحافظات.

وتكشف هذه المنهجية عن سياسة عميقة لدى سلطات الاحتلال في التعامل المزدوج، حيث تُسخر القوة العسكرية لتثبيت وقائع الاعتداء بدلًا من منعها، من خلال ملاحقة المواطنين واعتقالهم تحت ذرائع أمنية فضفاضة فور انتهاء الهجوم. هذا السلوك يؤدي عمليًا إلى توفير الحماية للمجموعات الاستيطانية من المساءلة، ويضع الفلسطيني أمام مواجهة مزدوجة تبدأ بعنف المستوطنين وتنتهي بالاحتجاز لدى سلطات الاحتلال، بما يكرّس سياسة تحميل الفلسطيني تبعات الاعتداء الواقع عليه.

وفي هذا السياق، وبحسب بيانات دائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير[1]، فقد نفذت قوات الاحتلال خلال شهر نيسان/أبريل أكثر من 1550 عملية اقتحام في مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، تركزت غالبيتها في مدن وبلدات الضفة الغربية والقدس، بالتزامن مع نحو 170 عملية إغلاق للمعابر والمداخل الرئيسية، إضافة إلى إقامة ما يقارب 502 حاجزًا عسكريًا مفاجئًا، الأمر الذي أعاق حركة تنقل المواطنين وفاقم حالة الشلل في الحياة اليومية بين المدن والقرى الفلسطينية. كما ترافق هذا التصعيد الميداني مع اتساع حملات الاعتقال، إذ أظهر الرصد الميداني تسجيل أكثر من 665 حالة اعتقال خلال شهر نيسان/أبريل في مختلف محافظات الضفة الغربية والقدس، في ظل استمرار الاقتحامات اليومية وما يرافقها من مواجهات واعتداءات متكررة، خصوصًا في المناطق التي تشهد هجمات من المستوطنين أو احتكاكات مباشرة مع قوات الاحتلال.

كما تفيد تقارير مختلفة صادرة عن أجسام الأمم المتحدة أنه خلال شهر نيسان من العام 2026، نفذ المستوطنون ما لا يقل عن 200 اعتداء في الضفة الغربية، أدت إلى استشهاد عدد من الفلسطينيين وإصابة آخرين، إضافة إلى أضرار مادية التي لحقت بالمنازل والمنشآت.

ولا تقتصر آثار هذه السياسات على الجانب الأمني فقط، بل تنعكس بصورة مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، خصوصًا في القرى الواقعة بمحاذاة المستوطنات والبؤر الاستيطانية. ففي تلك المناطق، بات السكان يعيشون حالة دائمة من الترقب والخوف، وسط تزايد الهجمات الليلية ومحاولات اقتحام المنازل والاعتداء على الأراضي الزراعية وسرقة المواشي، الأمر الذي خلق واقعًا ضاغطًا يدفع كثيرًا من العائلات إلى تقليص نشاطها الزراعي أو تجنب الوصول إلى أراضيها خشية التعرض للاعتداء أو الاعتقال.

وفي قرية المغير شمال شرق رام الله، تتجسد هذه الصورة بشكل واضح، مع تصاعد الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون بالتزامن مع حملات اعتقال متكررة تستهدف السكان. حيث وثق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من بداية العام حتى شهر نيسان 2026 (17) اعتداءً نفذه مستوطنون استهدف بلدة المغير، بمعدل يقارب خمس حوادث شهريًا، ما يعكس ارتفاعًا مستمرًا مقارنةً بالمعدل الشهري الذي تراوح بين حادثة إلى حادثتين خلال السنوات الثلاث السابقة.[2]

وحسب ما أفاد أحد أعضاء المجلس المحلي في القرية لمؤسسة الضمير، فقد شهد شهر نيسان/أبريل 2026 تسجيل 25 حالة اعتقال في صفوف أبناء القرية، أُفرج عن نحو 15 منهم، فيما لا يزال 10 معتقلين قيد الاحتجاز، بينهم أربعة أطفال. ويؤكد أن جميع المعتقلين جرى اعتقالهم عقب تعرضهم أو تعرض ممتلكاتهم لاعتداءات نفذها مستوطنون في محيط القرية. ويشير إلى أن قرية المغير تعيش منذ سنوات تحت ضغط متواصل نتيجة قربها من عدة بؤر استيطانية نشطة، الأمر الذي جعل الاعتداءات جزءًا من المشهد شبه اليومي في حياة السكان. ويقول إن الأهالي باتوا يدركون أن أي احتكاك مع المستوطنين، حتى لو كان بهدف حماية الأرض أو المواشي أو المنازل، قد ينتهي باعتقال أحد أفراد العائلة أو اقتحام المنزل في ساعات الليل.

وفي واحدة من هذه الاعتداءات، تروي الشابة (ع. ن) (24 عامًا) لمؤسسة الضمير تفاصيل تعرضها لاعتداء أثناء عودتها إلى قرية المغير بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2026. وتقول إنها كانت تقود مركبتها قادمة من قرية أبو فلاح، وعند مرورها بمنطقة مرج سيع أوقفتها قوة من حرس الحدود برفقة مجندتين ومستوطِن كان يرعى الأغنام في المنطقة. وتضيف أن المستوطن بادر فور توقفها بالاعتداء عليها وصفعها على وجهها، قبل أن تتدخل المجندتان بالاعتداء عليها جسديًا وإسقاطها أرضًا واحتجازها لمدة نصف ساعة على جانب الطريق، بالتزامن مع توجيه الشتائم والإهانات لها، وذلك بعد محاولتها الدفاع عن نفسها. وتشير إلى أن تدخل القوة العسكرية جاء لحماية المستوطن وليس لمنعه من الاعتداء.

وفي حادثة أخرى، يروي (ر.ع) (47 عامًا) تفاصيل اعتقال نجله (22 عامًا)، الذي اعتُقل من داخل منزل العائلة بتاريخ 30 نيسان/أبريل 2026 عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل. ويوضح أن الاعتقال جاء بعد سلسلة من الأحداث التي شهدت محاولات مستوطنين، بمرافقة الشرطة، الاستيلاء على مواشي العائلة والاعتداء على نجله أثناء محاولته منعهم والدفاع عن المواشي.

ويشير إلى أن قوات الاحتلال اقتحمت المنزل لاحقًا واعتقلت نجله بتهم تتعلق بالاعتداء على شرطي ومستوطِن، فيما لا يزال موقوفًا بانتظار المحاكمة. ويضيف أن العائلة تعيش منذ اعتقاله حالة من القلق الدائم، خصوصًا في ظل غياب معلومات واضحة حول مصيره أو المدة التي قد يقضيها في الاحتجاز، مؤكدًا أن نجله لم يكن يحمل سوى محاولة حماية مصدر رزق العائلة من المصادرة أو السرقة.

أما (ع.ع) (56 عامًا)، فيسكن مع عائلته في منزل يقع قرب “خط ألون” على أطراف قرية المغير، ويقول إن العائلة تعاني منذ سنوات من اعتداءات متواصلة من المستوطنين رغم أن المنزل مرخص رسميًا. ويستذكر الهجوم الواسع الذي تعرضت له المنطقة بتاريخ 12 نيسان/أبريل 2024، حين هاجم نحو 700 مستوطن محيط المنزل في محاولة لإجبار العائلة على مغادرته، ومنذ ذلك الحين تتكرر الاعتداءات بصورة شبه دائمة.

ويضيف أن أفراد العائلة يعيشون في حالة استنفار دائم، خصوصًا خلال ساعات الليل، خوفًا من أي هجوم جديد قد يطال المنزل أو المواشي. كما يشير إلى أن أبناءه باتوا يترددون في التحرك بحرية في محيط المنزل خشية التعرض للاعتداء أو الاحتجاز من قبل الجنود الذين ينتشرون في المنطقة بشكل متواصل.

ويكمل (ع.ع) إنه بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 2025 اعتقلته قوات الاحتلال مع أبنائه الثلاثة، بذريعة تسميم أغنام تعود لمستوطن كان يرعى قرب المنزل، حيث جرى نقلهم بين عدة مراكز تحقيق واحتجاز، فيما لا يزال أحد أبنائه معتقلًا حتى اليوم، بعد صدور أمر اعتقال إداري بحقه لمدة ستة أشهر. ويؤكد أن العائلة لم تتمكن حتى الآن من استيعاب كيف تحولت من عائلة تعرضت لاعتداءات متكررة إلى طرف يلاحق بالاعتقال والتحقيق.

ولا تبدو قرية المغير حالة استثنائية في هذا السياق، إذ تتكرر الروايات ذاتها في العديد من القرى الفلسطينية الممتدة من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها، حيث تترافق هجمات المستوطنين بشكل شبه دائم مع اقتحامات عسكرية وعمليات احتجاز وتحقيق تستهدف الفلسطينيين أنفسهم. وفي كثير من الأحيان، تتحول المواجهات التي تبدأ باعتداء على أرض أو منزل إلى ملف أمني يُستخدم لتبرير مزيد من التضييق على السكان.

ويؤدي هذا الواقع إلى تعميق حالة فقدان الأمان لدى المواطنين، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي كمصدر دخل رئيسي. فالمزارعون الذين كانوا يتوجهون يوميًا إلى أراضيهم باتوا اليوم يحسبون احتمالات التعرض لهجوم أو احتجاز قبل التفكير في الوصول إلى تلك الأراضي، بينما تواجه العائلات صعوبة متزايدة في الحفاظ على استقرارها الاجتماعي والاقتصادي في ظل التهديدات المستمرة.

كما تترك حملات الاعتقال المتكررة آثارًا اجتماعية ونفسية عميقة داخل المجتمع الفلسطيني، خصوصًا عندما تطال الأطفال والقاصرين أو تنفذ خلال ساعات الليل عبر اقتحام المنازل وتفتيشها. وتتحول لحظات الاقتحام إلى مشاهد يومية مألوفة لدى كثير من العائلات، بما تحمله من خوف وقلق دائمين، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية تحول دون تكرار تلك المداهمات.

وتعكس هذه الشهادات والوقائع جانبًا من واقع تعيشه قرى فلسطينية عديدة في الضفة الغربية، حيث تترافق اعتداءات المستوطنين بشكل متكرر مع إجراءات أمنية وعسكرية تستهدف السكان الفلسطينيين أنفسهم، في مشهد يعمّق الشعور بانعدام الحماية وغياب العدالة، ويحوّل حياة المواطنين اليومية إلى حالة مستمرة من التهديد والترقب، وسط تصاعد المخاوف من استمرار هذا النمط واتساعه في مختلف مناطق الضفة الغربية.

تطالب مؤسسة الضمير المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تجاه ما يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية من اعتداءات متصاعدة ينفذها المستوطنون، وما يرافقها من حملات اعتقال تستهدف المواطنين الفلسطينيين بصورة ممنهجة.

كما تؤكد المؤسسة على ضرورة توفير حماية دولية عاجلة للمدنيين الفلسطينيين، ووقف سياسة الإفلات من العقاب التي تكرّسها سلطات الاحتلال من خلال تجاهل اعتداءات المستوطنين وملاحقة واعتقال الفلسطينيين بدلًا من محاسبة المعتدين. وتشدد المؤسسة على أهمية فتح تحقيقات دولية مستقلة في الانتهاكات المرتكبة بحق المواطنين الفلسطينيين، بما يشمل الاعتداءات الجسدية، وعمليات التهجير، والاعتقالات التعسفية التي باتت تشكل جزءًا من الواقع اليومي في العديد من القرى والبلدات الفلسطينية.

 

 

[2] United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs occupied Palestinian territory (OCHA OPT). (2026, May 2). Humanitarian Situation Report | 1 May 2026. https://www.ochaopt.org/content/humanitarian-situation-report-1-may-2026.