الاعتقال:
أثناء عودتها في مساء يوم الثالث من حزيران من العام 2025 من بيت أهلها في بلدة عنبتا قضاء مدينة طولكرم لبيتها في قرية بيت فوريك قضاء مدينة نابلس بعد قضاء يوم عائلي برفقة طفلتها "إيلياء"، أوقفها جنود الاحتلال على الحاجز الدائم على مدخل القرية والذي يعرف باسم "حاجز بيت فوريك" المشهور في سوء جنوده بتعاملهم مع أهل القرية، لم تكن تعلم أسيل أنها في انتظار محطة مختلفة في حياتها، فسابقاً كانت زوجة الأسير واليوم أضحت هي الأسيرة، أنزلوها من السيارة أمام أعين طفلتها الصغيرة إيلياء التي لم تتجاوز الثامن من عمرها، وقاموا في تكبيل يديها والطفلة جالسة تنظر لهذا المشهد الصادم لها، فكيف لهم أن يقوموا في اعتقال والدتها مصدر آمانها وتركها لوحدها لا تعلم شيئاً، فلا تعلم أن هذه المرة الأخيرة التي ستتمكن من معانقة والدتها لتغيب عنها قسراً بفعل الاعتقال لفترة مجهولة ومكان مجهول، ليأخذوها بعيداً عن ناظري الطفلة الصغيرة التي أجهشت في البكاء خوفاً من الوحدة وحرقة على والدتها المعتقلة. ليتم نقلها فيما بعد لمركز توقيف حوارة المعروف بسوء أوضاعه المعيشية والصحية، لتمكث فيه لأيام قبل نقلها لسجن الدامون الواقع في أعالي الكرمل بمدينة حيفا المحتلة، حيث تتواجد الآن.
لتبدأ أسيل رحلة جديدة في سجل حياتها المكافح، وهي الطريق إلى السجن والاعتقال، كحال نساء فلسطين اللواتي يكافحن الحياة وصعوباتها في السجن والانتظار والكد في تأمين حياة كريمة لأولادهن. فأسيل صاحبة مشتل اسمه "جذور" كدت عليه وتعبت لسنوات حتى أضحى ما صار عليه، لم يكسرها اعتقال زوجها لسنوات بل عاندت الحياة واستمرت في بناء مشروعها الخاص لتنجح فيه ويكون عالمها هي وإيلياء التي كانت ترافقها دوماً إليه، لتتركه مرغمة وحيداً كما إيلياء اليوم.
الاعتقال الإداري .. يحرم الطفلة إيلياء من والديها:
أصدر القائد العسكري للمنطقة في تاريخ 16/6/2025 أمر اعتقال إداري بحق الأسيرة أسيل حماد لمدة 4 شهور، تبدأ في تاريخ 16/6/2025 وتنتهي في تاريخ 2/10/2025، وبعدها جرى تجديد الأمر نفسه مرتين، حيث صدر الأمر الأخير في شهر شباط من العام 2026 ، ليجدد مرة أخرى لمدة 4 شهور تنتهي في شهر حزيران 2026 ، وبذلك تكون أسيل قد أتمت عاماً كاملاً رهن الاعتقال الإداري.
وفي جلسة التثبيت التي عقدت في تاريخ 16/6/2025 بمحكمة عوفر العسكرية والتي تكونت من شقين، الشق العلني والذي ادعى فيه قاضي المحكمة أن الأسيرة حماد تشكل خطراً على أمن المنطقة، تلك الجملة التي تضاف لآلاف أوامر الاعتقال الإداري التي تقدم بحق الفلسطينيين. والشق الثاني المبني على ملف سري تقدمه نيابة الاحتلال لقاضي المحكمة، ويقرر فيه القاضي عدم الكشف عن جوهر هذه المعلومات السرية ومصادرها بحجة الخوف من أن تشكل هذه المواد خطراً على أمن المنطقة، ليؤكد في قراره على انحيازه الكامل لطلب النيابة تثبيت كامل الأمر وحرمان المعتقلة ومحامي الدفاع من الاطلاع على تلك المواد، وبالتالي حرمانها من الدفاع عن نفسها من خلال محاميها في محكمة علنية تراعي ضمانات المحاكمة العادلة. بالإضافة إلى ذلك أن هذا النمط من الاعتقال يقوم على فرضية أن المعتقل قد يشكل خطراً مستقبلياً، حتى وإن لم يرتكب أي مخالفة فعلية، ما يضعه في مواجهة ادعاءات غامضة لا يعرفها ولا يملك أي وسيلة لتفنيدها.
لم يكتفي الاحتلال باعتقال أسيل وحرمان طفلتها منها، بل بعد قرابة الثلاثة أشهر من اعتقال أسيل قامت قوات الاحتلال باعتقال زوجها مصعب مليطات، حيث داهمت قوات الاحتلال في تاريخ 21/9/2025 واعتقلت مصعب من المنزل وحولته للاعتقال الإداري لمدة 6 شهور جرى تجديدها مرة أخرى في شهر مارس من العام 2026، رغم أنه أفرج عنه في شهر نيسان من نفس العام بعد أن قضى سنتين ونصف في الاعتقال. لتُترك إيلياء بلا أم وأب، تدفع ثمناً صامتاً من عمر طفولتها التي أضحت وحيدة بفعل اعتقال مصدر الأمن والأمان لها. هذا هو الاعتقال الإداري سياسة عقاب وتعذيب نفسي يدفع ثمنها عائلة كاملة، أب معتقل وأم معتقلة وطفلة صغيرة ما زالت في مقتبل العمر تقف في محطة انتظار لا مدة محددة فيها ولا توقيت للقاء أبيها وأمها، وإنما أوقات زمنية مفتوحة يصاحبها حرمان طفلة من دفء والديها.
ثلاثة أماكن ... والقلب واحد
تعيش اليوم الأسيرة أسيل حماد في سجن الدامون في مدينة حيفا، ذلك السجن الذي يشهد ظروفاً لا إنسانية حرمان من الأكل والعلاج ومقومات الحياة الإنسانية، قمع وتنكيل متكرر من قبل إدارة السجن وسجانيه، إذلال لروح الإنسان الفلسطيني، وعلى الضفة الأخرى يعيش الزوج نفس الظروف اللاإنسانية في جنوب البلاد حيث سجن النقب، وفي وسط المكانين في قرية بين فوريك تعيش الطفلة "إيلياء" وهي تحاول التأقلم على غياب الأب والأم معاُ، تزرع بذور الأمل كما اعتادت على رؤية والدتها وهي ترزع بذور الورد في مشتلها "جذور".
ثلاثةُ أماكن ... والقلب واحد رغم بعدهما القسري عن بعضهما، قلب عائلة لم تجتمع كأي عائلة طبيعية مدة إلا وكان الاعتقال يحول دون اجتماعها، كما وصفتها "إيناس" شقيقة أسيل، حيث قالت عن وصفها للعائلة: إذا أردت أن ألخص حياة شقيقتي أسيل فهي عبارة عن أوقات وسنوات من الانتظار، فحين ارتبطت أسيل بزوجها مصعب أثناء الخطوبة انتظرته سنة ونصف حتى أفرج عنه وتزوجا سريعاً لينجبوا "إيلياء" وبعدها اعتقل مصعب ليقضي سنتين ونصف في الاعتقال ما قبل الأخير، ليخرج ليمضي مع عائلته شهرين ليتم اعتقال زوجته، وبعدها اعتقاله هو. ولكن كل تلك السنوات المعمدة بالانتظار والأمل لم تثني أسيل عن مضيها في تحقيق أحلامها والعيش من ابنتها، فقامت في إنشاء مشتل أسمته "جذور" وكانت لطفلتها الأب والأم في ظل غياب الأب القسري، حيث رددت إيناس أن اللحظة الوحيدة التي كانت أسيل تشعر فيها بمعنى العائلة حينما أنجبت إيلياء، وتضيف أنه وبعد تلك اللحظة لم تجتمع العائلة حيث شقيقتي اليوم في السجن دائمة السؤال عن ابنتها تعيش خوفها الدائم عليها كأي أم، ولكن حتى تلك الظروف القاهرة لم تثني أسيل عن ممارسة ما تحب داخل السجن تضيف إيناس، فقامت في تعليم الأسيرات "التشتيل" وكانت تقوم بشكل يومي في تجميع الغبرة التي تخرج من الغرفة يومياً لتصبح بعد جمع كمية معينة تراباً يضعن فيها الأسيرات بذور ما يتوفر معهن من خضرة سواء كانت بذرة نصف حبة الفليفلة التي تكون نصيبها في أحد الأيام، أو بذور بندورة، وبالفعل بعد مدة نمت 4 شتلات صغيرة داخل الزنزانة التي تقيم بها أسيل برفقة أسيرات أخريات، ولكن حتى تلك الشتلات الصغيرة كانت معرضة للموت، حيث كما تحدثت الأسيرة أسيل في أحد زياراتها من قبل محاميها أنه جرى تدميرها في احدى القمعات التي تشهدها الأسيرات بشكل شبه يومي من قبل إدارة السجن، ليعبر المشهد أن ذلك المحتل يدمر ويقتل كل ما بيث الأمل والحياة في نفوس الأسيرات والأسرى.
وحول سؤال إيناس عن إيلياء تقول: إيلياء تحاول وتسعى جاهدة أن تكون قوية، وتحاول دائماً أن ترمم قلبها بأمل اللقاء مع والديها، ولكن هي مرحلة صعبة جدا عليها من ناحية نفسية، فهي طفلة لم تتجاوز عامها الثامن في الحياة شهدت مواقف صادمة جدا من ناحية نفسية، سواء من اعتقال والدها سابقاً أو اعتقاله الحالي، واعتقال والدتها هو الأصعب عليها، فكثيراً عندما تفتقدهما أو تفتقد والدتها تصرخ وتبكي وتقول لنا : أريد أمي فقط، ذلك المشهد الذي يلخص ماذا يعني حرمان طفلة من والديها ومن أمها تحديداً، وتضيف أنه رغم ذلك تحاول إيلياء تحدي الواقع ومحاولة العيش، حيث قامت في عيد الفطر الماضي في لبس ملابس العيد كما في كل عيد مضى كانت تعيشه برفقة والدايها، وطلبت من خالتها أن تقوم في تصويرها لتحتفظ في الصورة حتى تراها والدتها حينما تخرج من السجن. هي محاولة طفلةٍ نسج خيوط الأمل في واقعٍ محتل يحاول الاحتلال فيه بشتى الطرق على قتل الروح والحياة، فغياب الأم والاشتياق الدائم والسؤال المتكرر متى تعود والدتي يردد دائماً على لسان الصغيرة فالأسرة بكامل أفرادها تدفع ثمن الاعتقال والغياب القسري من عمرها ومشاعرها وأوقاتها، وكأنه كتب على أطفالٍ بعمر الورد أن يدفعوا ثمناً بسبب محتلاً لم يسلب الأمومة فقط بل يسلب الحياة وكل شيء.